قطب الدين الراوندي
385
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
إذ أمر بالمضي على إرادته . وكيف ، وانما صدرت الأمور عن مشيئته ، المنشىء أصناف الأشياء بلا روية فكر آل إليها ، ولا قريحة غريزة أضمر عليها ، ولا تجربة أفادها من حوادث الدهور ، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور . فتم خلقه [ بأمره ] ( 1 ) وأذعن لطاعته ، وأجاب إلى دعوته ، لم يعترض دونه ريث المبطئ ولا أناة المتلكىء ، فأقام من الأشياء أودها ، ونهج حدودها ( 2 ) ، ولاءم بقدرته بين متضادها ، ووصل أسباب قرائنها ، وفرقها أجناسا ( 3 ) مختلفات في الحدود والأقدار والغرائز والهيئات ، بدايا خلائق أحكم صنعها ، وفطرها على ما أراد وابتدعها . ( منها ) ، في صفة السماء : ونظم بلا تعليق رهوات فرجها ولاحم صدوع انفراجها ، ووشج بينها وبين أزواجها ، وذلل للهابطين بأمره ، والصاعدين بأعمال خلقه ، حزونة معراجها وناداها بعد إذ هي دخان ، فالتحمت عرى أشراجها ، وفتق بعد ارتتاق صوامت أبوابها وأقام رصدا من الشهب الثواقب على نقابها ، وأمسكها من أن تمور في خرق الهواء بأيده ( 4 ) ، وأمرها أن تقف مستسلمة لأمره ، وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها وقمرها آية ممحوة من ليلها ، وأجراهما في مناقل مجراهما ، وقدر سيرهما ( 5 ) في مدارج درجهما ، ليميز بين الليل والنهار بهما ، وليعلم عدد السنين والحساب بمقاديرهما .
--> ( 1 ) الزيادة من يد . ( 2 ) في هامش م : جددها . ( 3 ) في م : أجناسها . ( 4 ) النسخ مختلفة ففي م : يائدة ورائدة ، في ب : رائدة وبايدة ، في نا : رائدة وبايدة ، في ب رائدة وبائدة ، بايدة . ( 5 ) في ب ، م ، نا : مسيرهما .